كتالونيا 24
تطرح الحقوق المالية للزوجة داخل منظومة الزواج نقاشًا حساسًا، لأنها تمسّ جوهر العلاقة بين الزوجين، وطريقة تسيير الحياة اليومية، وتوازن المسؤوليات داخل الأسرة. ورغم أن القوانين وُضعت أساسًا لحماية النساء من الوقوع في التهميش المالي أو فقدان حقوقهن بعد الطلاق، إلا أن الواقع الاجتماعي يكشف فجوة أوسع بكثير من مجرد مواد قانونية، فجوة تُعاش داخل البيوت قبل أن تكتب على الورق.
فالزوجة تقوم داخل الأسرة بأدوار محورية لا تقل عن العمل خارج البيت، بدءًا من تربية الأطفال ورعاية تفاصيلهم اليومية، إلى إدارة شؤون المنزل وتحمل العبء النفسي المستمر. وهي مهام تُبنى عليها حياة كاملة، لكنها تُعتبر في كثير من الحالات “عملاً غير مرئي”، لا يُقدَّر ماديًا، ولا يُعترف بتأثيره الحقيقي في نجاح الأسرة. وفي مقابل هذه المسؤوليات الكبيرة، نجد زوجات يعشن تبعية مالية تامة، ينتظرن “مصروفًا” يأتي أحيانًا مشروطًا، أو ضئيلًا، أو مصحوبًا بمنّة وكأنه إحسان لا حق.
لكن الصورة ليست في اتجاه واحد. فكما توجد نساء يتحملن الأعباء دون مقابل عادل، برزت أيضًا حالات تستغل الحقوق القانونية المتعلقة بتقاسم الممتلكات بعد الطلاق، حيث يُنظر إلى العلاقة الزوجية كفرصة لكسب مضمون، دون مساهمة فعلية أو التزام حقيقي نحو الشريك أو الأسرة. هذه النماذج، وإن كانت أقلية، خلقت خوفًا لدى الكثير من الرجال، خصوصًا ذوي الوضع المالي الجيد، ممن يرون في الزواج مخاطرة قد تكلفهم جزءًا من ثروتهم.
ويرتبط العزوف عن الزواج أيضًا بعامل آخر لا يقل أهمية: الضغوط المالية على الزوج حتى قبل أن يبدأ الزواج. فقد تحوّل الارتباط في نظر كثير من الشباب إلى مشروع مكلف يتطلب القدرة على تحمل مصاريف تتجاوز طاقة الفرد العادي، من سكن ومصاريف حياة ومسؤوليات يومية. وفي ظل غلاء المعيشة، يجد العديد من الرجال أنفسهم مطالبين بتحمل أعباء تفوق قدراتهم الحقيقية، ما يدفعهم إلى تأجيل الزواج أو رفضه خوفًا من الفشل المالي، وليس فقط خوفًا من قوانين الطلاق. وهكذا يصبح الزواج عبئًا اقتصاديًا بدل أن يكون شراكة متوازنة بين طرفين.
إن ما يخلق الشرخ بين الأزواج ليس القانون وحده، بل غياب ثقافة زوجية واضحة تنظم المال داخل البيت، وتحدد ما هو مشترك وما هو منفصل، وتضع معايير عادلة لتقاسم المسؤوليات. كثير من الأزواج لا يتحدثون بصراحة عن الدخل، ولا يتفقون على منهج مالي مشترك، ولا يعترفون بقيمة عمل كل طرف. وحين تختلط العاطفة بالإنفاق، والواجبات بالحقوق، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى توتر متراكم قد يجرّ العلاقة إلى نهايات معقدة.
والحل لا يكمن في تغيير القوانين بقدر ما يكمن في الوعي. فنجاح الحياة الزوجية يحتاج إلى حوار مالي صريح منذ البداية، واتفاق واضح حول كيفية إدارة الأموال، واحترام الجهد المنزلي كما يُحترم الجهد خارج البيت، وتوزيع عادل للأدوار، دون استغلال أو مبالغة في التزامات أحد الطرفين. فالعلاقة المتوازنة لا تبنى على الخوف أو التوقعات غير الواقعية، بل على الشراكة والتفاهم والاعتراف المتبادل بالقيمة.
لذلك، الحقوق المالية للزوجة ليست سيفًا موجهًا نحو الرجل، ولا وسيلة لاستنزافه، كما أنها ليست امتيازًا يمنح كما يشاء. إنها جزء من التوازن الضروري لاستقرار الأسرة. وعندما تُفهم العلاقة الزوجية كوحدة واحدة، يتقاسم فيها الطرفان البناء والمسؤولية، تتحول الحقوق إلى حماية، لا إلى سلاح، وتصبح الأسرة أكثر قوة واستقرارًا، بعيدًا عن سوء الفهم والخوف وسوء النية.

