كتالونيا24
منذ أن تدفّق النفط من باطن الأرض إلى قلب الاقتصاد العالمي، لم يعد مجرد مصدر طاقة، بل تحوّل إلى عامل سياسي حاسم أعاد رسم خرائط السلطة، وأشعل صراعات، ومهّد الطريق لانقلابات غيّرت مصائر دول بأكملها. ففي كثير من مناطق العالم، كان النفط حاضرًا في الكواليس كلما سقطت حكومة أو صعد نظام جديد بالقوة.
في النصف الأول من القرن العشرين، أدركت القوى الكبرى أن من يسيطر على النفط يملك مفاتيح الصناعة والحرب معًا. ومع هذا الإدراك، بدأت مرحلة جديدة من التدخلات غير المباشرة في شؤون الدول الغنية بهذه الثروة. الانقلابات العسكرية، التي قُدّمت أحيانًا بوصفها “تصحيحًا سياسيًا”، كانت في حالات كثيرة وسيلة لضمان استمرار تدفّق النفط وفق مصالح خارجية أو نخب محلية متحالفة معها.
يُعدّ انقلاب إيران عام 1953 واحدًا من أوضح الأمثلة على هذا الترابط. فبعد أن قرر رئيس الوزراء محمد مصدّق تأميم النفط الإيراني، اصطدم بمصالح بريطانية وأمريكية كبرى. لم يدم المشروع طويلًا، إذ أُطيح بالحكومة المنتخبة وأُعيد الشاه إلى الحكم، في رسالة مبكرة مفادها أن المساس بالنفط قد يكلّف السلطة، وربما الاستقرار لعقود لاحقة.
وفي العالم العربي، لم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا. العراق، أحد أغنى دول المنطقة نفطيًا، شهد سلسلة انقلابات منذ خمسينيات القرن الماضي. ورغم تعدد الأسباب المعلنة بين قومية وأيديولوجية، ظل النفط العامل الثابت الذي يمنح من يسيطر على الحكم قدرة مالية هائلة، ويجعل الدولة محط أنظار القوى الإقليمية والدولية. كذلك في ليبيا، جاء انقلاب عام 1969 في سياق رفض واسع للهيمنة الأجنبية على الثروة النفطية، قبل أن تتحول هذه الثروة نفسها لاحقًا إلى أداة لترسيخ حكم فردي طويل.
أما في إفريقيا، فقد ساهم اكتشاف النفط في دول مثل نيجيريا وتشاد والسودان في تعميق الصراعات الداخلية بدل حلّها. عائدات النفط الضخمة، في ظل مؤسسات ضعيفة، أغرت الجيوش بالتدخل في السياسة، وحوّلت السلطة إلى جائزة كبرى يتنافس عليها السلاح بدل صناديق الاقتراع. وهكذا أصبحت الانقلابات وسيلة للوصول إلى “الخزنة” لا إلى برنامج سياسي أو مشروع وطني.
اللافت أن النفط لا يخلق الانقلابات من فراغ، بل يعمل كمُضاعِف للأزمات القائمة. فالفقر، والفساد، وضعف الدولة، والانقسامات الاجتماعية هي التربة الخصبة، بينما يأتي النفط ليزيد من حدّة الصراع ويرفع من كلفته. كما أن الاعتماد المفرط على العائدات النفطية يقلل حاجة الحكومات إلى فرض الضرائب، ما يضعف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويجعل المساءلة الشعبية هامشية.
في المقابل، يطرح التاريخ سؤالًا مهمًا: هل النفط لعنة حتمية؟ التجربة النرويجية، وغيرها بدرجات أقل، تشير إلى أن الجواب ليس بالضرورة. فحين تُدار الثروة النفطية بشفافية، وتُدمج في اقتصاد متنوع، وتخضع لرقابة مؤسسات قوية، يمكن أن تكون عامل استقرار لا سبب اضطراب. الفرق لا يكمن في وجود النفط، بل في طبيعة النظام السياسي الذي يديره.
اليوم، ومع تحولات الطاقة العالمية وتراجع الاعتماد النسبي على النفط، قد يبدو أن دوره السياسي في الانقلابات سيتضاءل. إلا أن الواقع يشير إلى أن الصراع على الموارد لم ينتهِ، بل تغيّرت أشكاله. فالنفط ما زال حاضرًا في حسابات السلطة، خاصة في الدول التي لم تنجح بعد في بناء دولة المؤسسات.
في المحصلة، يكشف تاريخ الانقلابات أن النفط لم يكن مجرد شاهد صامت، بل لاعبًا مؤثرًا في كثير من اللحظات المفصلية. وبينما قد لا يكون السبب الوحيد لسقوط الحكومات، فإنه غالبًا ما كان الوقود الذي أشعل الصراع، وجعل من السياسة ساحة مفتوحة للقوة بدل الإرادة الشعبية

