تشهد الجغرافيا الاقتصادية العالمية مؤخرًا تحولات جدّية تتجلى في تقاطع البنية التحتية التقليدية الضخمة مع اقتصاد البيانات الرقمي، ولعل أبرز محاور هذا التغيير تكمن في تجربة الصين التقنية والبنائية من جهة، وصعود مراكز البيانات العملاقة في وادي السيليكون من جهة أخرى.
من جهة تستمر الصين في ضخ استثمارات كبيرة في قطاع السكك الحديدية، حيث ارتفعت استثماراتها في الأصول الثابتة لقطاع السكك الحديدية بنسبة 5.7٪ خلال أول عشرة أشهر من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات من المجموعة الوطنية الصينية للسكك الحديدية.
كما تؤكد التقارير أن الصين تخطط لتوسيع شبكة القطارات فائقة السرعة إلى نحو 60 ألف كيلومتر بحلول عام 2030.
ورغم هذا التوسع الضخم، تظهر تحديات فعلية في صيانة البنية التحتية.
وفوفقًا لتقارير، تبنت بكين استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين عمليات الصيانة؛ إذ ساهم في تقليل أعطال المسارات البسيطة بشكل كبير، وتقليل تحركات الحديد بشكل غير منتظم، وتوقع نقاط الخلل قبل أن تتحول إلى مشاكل كبيرة.
لكن هناك تحذيرات من أن بعض الخطوط تعاني من تراجع الربحية.
وبحسب تحليلات مستقلة، نسبة كبيرة من هذه الخطوط تكبد خسائر تشغيلية، وقد تكون بعض المحطات مبنية في مناطق قليلة الكثافة السكانية، مما يضغط على جدوى بعض المشاريع.
ومن جهة ثانية، وعلى الجانب الرقمي، يبرز ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد البيانات”: شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون تسعى ليس فقط لجمع البيانات، بل لإنشاء بنى تحتية ضخمة لمعالجتها وتخزينها، وتحويلها إلى أدوات استراتيجية لصنع القرار. هذا التوجه لا يخلو من مخاطر.
وبحسب تقرير حديث، هناك مراكز بيانات ضخمة في وادي السيليكون بقوة تصميمية كبيرة (مثل مرافق Digital Realty وStack Infrastructure) لكنها تقف دون تشغيل كامل بسبب مشاكل في البنية التحتية الكهربائية، إذ أن الشبكة الكهربائية المحلية لا تواكب الطلب المتزايد من هذه المراكز.
وإضافة إلى ذلك، هناك قلق من أن بعض شركات التكنولوجيا الكبرى قد تكون بدّلت خططها أو أبطأت من استئجار قدرات مراكز بيانات جديدة.
فمثلًا، ذكرت وكالة رويترز أن مايكروسوفت ألغت بعض عقود إيجار مراكز بيانات ضخمة، مما قد يدل على تخوّف من فائض في السعة نتيجة التوسع السريع في البنية التحتية لمعالجة الذكاء الاصطناعي.
هذه الديناميكيات تُظهر توسّعًا فيزيائيًا ضخمًا في الصين يقابله توسع رقمي موازٍ في الولايات المتحدة، وتشير إلى أن النفوذ الجيو-اقتصادي اليوم لا يُبنى فقط على الجسور والسكك الحديدية، بل على الخوارزميات ومساحات التخزين الضخمة.
من جهة الصين، قد يكون التحدي طويل الأمد هو مدى استدامة هذا التوسع المادي اقتصاديًا، خصوصًا إذا بقيت بعض الخطوط غير مربحة.
ومن جهة وادي السيليكون، يُعيد التوسع الرقمي الضخم في مراكز البيانات رسم خريطة القوة الاستراتيجية حول من يتحكم في تدفق البيانات واتخاذ القرارات استنادًا إليها.
ما نراه الآن هو لحظة انتقالية في المنافسة العالمية؛ لم تعد الشراكة أو الهيمنة تُبنى فقط على البنية التحتية التقليدية، بل على القدرة الرقمية على جمع وتحليل واستثمار البيانات. التوازن بين هذه المحاور سيكون مفتاح النفوذ في العقد القادم.
